العيني
141
عمدة القاري
الكرماني : والحكمة فيه أن لا يستغرق في النوم ، لأن القلب من جهة اليسار متعلق حينئذ غير مستقر ، وإذا نام على اليسار كان في دعة واستراحة فيستغرق ، وأيضا يكون انحدار الثقل إلى سفل أسهل وأكثر فيصير سببا لدغدغة قضاء الحاجة فينتبه في أسرع وقت . قلت : لا يستحسن هذا الكلام في حقه ، صلى الله عليه وسلم ، وإنما يمشي في حق غيره ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شيء ، وجميع ما صدر عنه من قول وفعل كان على أحسن الوجوه وأفضلها وأكملها ، وأيضا النوم على اليمين نوم الصالحين ، وعلى اليسار نوم الحكماء ، وعلى الظهر نوم الجبارين والمتكبرين ، وعلى الوجه نوم الكفار . ذكر ما يستنبط منه فيه : استحباب التخفيف في سنة الفجر ، واستحب قوم تخفيفها ، وهو مذهب مالك والشافعي في آخرين . وقال النخعي ، واختاره الطحاوي : لا بأس بإطالتها ، ولعله أراد بذلك غير محرم . وفي ( مصنف ) ابن أبي شيبة : عن سعيد بن جبير : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما أطال ركعتي الفجر ) ، وقال مجاهد : لا بأس أن يطيل ركعتي الفجر ، وبالغ قوم فقالوا : لا قراءة فيها ، حكاه عياض والطحاوي : والحديث الصحيح يرد ذلك ، وهو : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب و : * ( قل يا أيها الكافرون ) * ( الكافرون : 1 ) . وفي الثانية بالفاتحة و * ( قل هو الله أحد ) * ( الإخلاص : 1 ) . وفي رواية ابن عباس كان يقرأ فيهما : * ( قولوا آمنا بالله ) * ( البقرة : 136 ) . وبقوله : * ( قل يا أهل الكتاب ) * ( آل عمران : 64 و 98 و 99 ، والمائدة : 59 و 68 و 77 ) . واستحب مالك الاقتصار على الفاتحة ، على ظاهر قول عائشة : كان يخففهما حتى إني لأقول قد قرأ فيهما بأم الكتاب . وفي ( فضائل القرآن العظيم ) لأبي العباس الغافقي : ( أمر رجلاً شكى إليه شيئا أن يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة ألم نشرح ، وفي الثانية في الأولى بالفاتحة وسورة ألم تر كيف ) . وفيه : استحباب الاضطجاع على الأيمن عند النوم ، وهو سنة عند البعض واجب عند الحسن البصري ، وذكر القاضي عياض : أن عند مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة بدعة . قلت : يعني الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ، وفي ( سنن أبي داود ) والترمذي بإسناد صحيح على شرط الشيخين ، من حديث أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه ) . واعلم أنه ثبت في الصحيح ( أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة ، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين ) ، فهذا الاضطجاع كان بعد صلاة الليل ، وقبل صلاة ركعتي الفجر ، ولم يقل أحد : إن الاضطجاع قبلهما سنة ، فكذا بعدهما . وقد روي عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، قالت : ( إن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع ) . فهذا يدل على أنه ليس بسنة ، وأنه تارة كان يضطجع قبل وتارة بعد وتارة لا يضطجع . وفيه : استحباب إتيان المؤذن إلى الإمام الراتب وإعلامه بحضور الصلاة . وفيه : دلالة على أن الانتظار للصلاة في البيت كالانتظار في المسجد ، إذ لو لم يكن كذلك لخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ليأخذ لنفسه بحظها من فضيلة الانتظار . وفيه : أن مراعاة الوقت للمؤذن وأن الإمام يجعل إليه ذلك . وقال الداودي في حديث عائشة دلالة أن المؤذن لا يكون إلاَّ عالما بالأوقات ، أو يكون له من يعرفه بها . وفيه : تعجيل ركعتي الفجر عند طلوع الفجر ، وقد كره جماعة من العلماء منهم أصحابنا التنفل بعد أذان الفجر إلى صلاة الفجر بأكثر من ركعتي الفجر ، لما في مسلم عن حفصة : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلي إلاَّ ركعتين خفيفتين ) . وعند أبي داود : ( عن يسار مولى ابن عمر ، قال : رآني عبد الله وأنا أصلي بعد طلوع الفجر ، فقال : يا يسار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال : لا تصلوا بعد الفجر إلاَّ ركعتين ) . وقال أبو عيسى : حديث غرب لا نعرفه إلاَّ من حديث قدامة بن موسى ، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم ، كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلاَّ ركعتي الفجر ، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد ، ولأصحاب الشافعي فيه ثلاثة أوجه : أحدها : مثل الجماعة ، الثاني : لا تدخل الكراهة حتى يصلي سنة الفجر ، الثالث : لا تدخل الكراهة حتى يصلي الصبح ، وقال النووي : وهو الصحيح ، والله تعالى أعلم . 16 ( ( ) ) بابٌ بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صلاةٌ لِمَنْ شاءَ أي : هذا باب بيان أن بين كل أذانين صلاة ، وقد قلنا : إن المراد من الأذانين الأذان والإقامة بطريق التغليب ، كالعمرين والقمرين ونحوهما ، لا يقال : هذا الباب تكرار لأنه ذكر قبل هذا الباب ، لأنا نقول : إنه قد ذكر هناك ببعض ما دل عليه لفظ حديث الباب ، وهنا ذكر بلفظ الحديث ، وأيضا لما كان بعض اختلاف في رواة الحديث وفي متنه ذكره بترجمتين بحسب ذلك .